الغزالي

178

فضائح الباطنية

ألف ليلة لعدّ سفيها خارجا عن حزب العقلاء . فالدنيا معشوقة كلّفنا الصبر عنها مدة يسيرة ، ووعدنا أضعاف هذه اللذات مدة لا آخر لها ، وترك الألف بالواحد ليس من العقل ، واختيار الألف على الواحد المعجّل ليس بمتعذر على العاقل ، وعند هذا ينبغي أن يقيس الإنسان أقصى مدة مقامه في الدنيا وهي مائة سنة مثلا ، ومدة مقامه في الآخرة ولا آخر لها ، بل لو طلبنا مثالا لطول مدة الأبد لعجزنا عنه . إلا أن نقول : لو قدرنا الدنيا كلها إلى منتهى السماوات ممتلئة بالذرة ، وقدرنا طائرا يأخذ بمنقاره في كل ألف سنة حبة واحدة فلا يزال يعود حتى لا يبقى من الذرة حبة واحدة فتنقضى هذه المدة وقد بقي من الذرة أضعافها ، فكيف لا يقدر العاقل إذا حقق على نفسه هذا الأمر على أن يستحقر الدنيا ويتجرد لله تعالى ! هذا لو قد قدّر بقاء العمر مائة سنة ، وقدرت الدنيا صافية عن الأقذاء ؛ فكيف والموت بالمرصاد في كل لحظة ، والدنيا غير صافية من ضروب التعب والعناء ! وهذا أمر ينبغي أن يطول التأمل فيه حتى يترسخ في القلب ، ومنه تنبعث التقوى . وما لم يظهر للإنسان حقارة الدنيا لا يتصور منه أن يسعى للدار الأخرى ، وينبغي أن يستعان على معرفة ذلك بالاعتبار بمن سلف من أبناء الدنيا كيف تعبوا فيها ثم ارتحلوا عنها بغير طائل ؛ ولم تصحبهم إلا الحسرة والندامة . ولقد صدق من قال من الشعراء حيث قال : أشد الغمّ عندي في سرور * تيقن عنه صاحبه انتقالا وهذه حال لذات الدنيا . الوظيفة الثالثة : أن معنى خلافة الله على الخلق إصلاح الخلق . ولن يقدر على إصلاح أهل الدنيا من لا يقدر على إصلاح أهل بلده ؛ ولن يقدر على إصلاح أهل البلد من لا يقدر على إصلاح أهل منزله ؛ ولا يقدر على إصلاح أهل منزله من لا يقدر على إصلاح نفسه ؛ ومن لا يقدر على إصلاح نفسه فينبغي أن تقع البداية بإصلاح القلب وسياسة النفس ؛ ومن لم يصلح نفسه وطمع في إصلاح غيره كان مغرورا كما قال الله تعالى : أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ [ البقرة : 44 ] .